الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
156
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أجزاء من أمثاله ، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام ، فرب شيء يعد ثقيلا في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر . والسحاب يكون ثقيلا بمقدار ما في خلاله من البخار . وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله بالرياح . والخفيف منه يسمى جهاما . وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال . ولما كان الرعد صوتا عظيما جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن اللّه منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء ، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه اللّه عن الشريك جعل صوت الرعد دليلا على تنزيه اللّه تعالى ، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي . ولك أن تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يسبح اللّه تعالى ، وأثبت شيء من علائق المشبّه به وهو التسبيح ، أي قول سبحان اللّه . والباء في بِحَمْدِهِ للملابسة ، أي ينزه اللّه تنزيها ملابسا لحمده من حيث إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجب الحمد . فالقول في ملابسة الرعد للحمد مساو للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد . فالملابسة مجازية عقلية أو استعارة مكنية . و الْمَلائِكَةُ عطف على الرعد ، أي وتسبح الملائكة من خيفته ، أي من خوف اللّه . و مِنْ للتعليل ، أي ينزهون اللّه لأجل الخوف منه ، أي الخوف مما لا يرضى به وهو التقصير في تنزيهه . وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين ، أي أن التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة ، فاللّه غني عن تنزيهكم إياه ، كقوله : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [ سورة الزمر : 7 ] ، وقوله : وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ سورة إبراهيم : 8 ] . واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار . كما قال في آية سورة البقرة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ [ سورة البقرة : 19 ] . وكان العرب يخافون الصواعق . ولقبوا خويلد بن نفيل الصعق لأنه أصابته صاعقة أحرقته . ومن هذا القبيل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه يخوّف اللّه بهما عباده » ، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب الناس من كسوفهما نفعا .